في ندوة دولية بالبرازيل.. «العالمي للمجتمعات المسلمة» يؤصّل لمواطنة تصون الهوية وتبني الأوطان
- 2026-Oct-01
نظم المجلس العالمي للمجتمعات المسلمة، اليوم الثلاثاء 29 سبتمبر 2026، ندوة علمية عن بُعد في البرازيل بعنوان «المجتمعات المسلمة وأسس المواطنة الصالحة: قراءة تأصيلية في المفاهيم والقيم»، بالتعاون مع الأكاديمية العالمية للحلال واتحاد المؤسسات الإسلامية في البرازيل، ضمن سلسلة ندوات حول التعايش والمواطنة في أمريكا اللاتينية.
وبحثت الندوة الأسس الشرعية والفكرية لبناء مواطنة فاعلة في المجتمعات التعددية، من خلال ثلاثة محاور تناولت المواطنة في ضوء مقاصد الشريعة، والهوية المسلمة بين الثبات والانفتاح، والاندماج الإيجابي وصناعة المواطن الصالح.
كما ناقشت العلاقة بين المواطن والدولة والمجتمع، وسبل المواءمة بين القيم الإنسانية للمواطنة والخصوصية الدينية والثقافية للمسلمين، ودور المؤسسات الإسلامية في بناء أجيال تجمع بين رسوخ الهوية وصدق الانتماء الوطني، وتحول قيم الأمانة والعدل والتضامن إلى ممارسات تسهم في خدمة المجتمع وصناعة مستقبله.
وشارك سعادة الدكتور محمد البشاري، الأمين العام للمجلس العالمي للمجتمعات المسلمة، ببحث عنوانه «المواطنة في ضوء مقاصد الشريعة»، قدم فيه رؤية تأصيلية تربط المواطنة بمقاصد العمران والعدل وحفظ نظام الاجتماع الإنساني.
وأكد البشاري أن المواطنة ليست مجرد وضع قانوني ينظم علاقة الفرد بالدولة، وإنما منظومة متكاملة من الحقوق والواجبات، تؤسس لعلاقة قوامها الوفاء والمسؤولية وصيانة الكرامة وتحقيق المصلحة العامة.
وقال: «المواطنة في الرؤية المقاصدية ليست عقداً للانتفاع المتبادل فحسب، بل مسؤولية أخلاقية وحضارية؛ فالدولة تحمي الحقوق وتصون الكرامة وتقيم العدل، والمواطن يحفظ النظام والمال العام وحقوق الآخرين، والمجتمع يبني فضاءً من الثقة والتضامن والتعاون».
وأضاف أن المواطنة الصالحة تتحقق عندما ينتقل الإنسان من مجرد المطالبة بحقوقه إلى المشاركة في بناء وطنه، موضحاً أن «المواطن الصالح في الرؤية المقاصدية هو من يكون وفياً لدينه من غير انغلاق، وفياً لوطنه من غير ذوبان، قائماً بحقوقه وواجباته، جاعلاً من العدل والأمانة والنفع العام جسراً بين هويته ومسؤوليته في عمران المجتمع».
وشدد البشاري على أن العلاقة بين الهوية الإسلامية والمواطنة لا تقوم على المفاضلة أو التعارض، بل على التكامل، لأن الهوية الواثقة لا تعزل صاحبها عن مجتمعه، وإنما تمنحه أساساً أخلاقياً أرسخ للمشاركة وخدمة الآخرين.
وقال: «لا نريد هوية تخاف المجتمع، ولا مواطنة تخاف الهوية. نريد مسلماً راسخاً في مرجعيته، منتمياً إلى وطنه، منفتحاً في علاقاته، وقادراً على تحويل خصوصيته الدينية والثقافية من حاجز يفصله عن مجتمعه إلى قيمة مضافة تثري هذا المجتمع».
وأشار إلى أن المسلمين في المجتمعات التعددية مدعوون إلى تجاوز سؤال «كيف نحمي أنفسنا؟» نحو سؤال أكثر نضجاً وتأثيراً هو «ماذا نضيف إلى أوطاننا؟»، مؤكداً أن المؤسسات الإسلامية الناجحة هي التي تجمع بين حفظ هوية أفرادها وإنتاج نفع عام يتجاوز حدود جماعتها.
وأضاف: «إن أفضل تعبير عن هذا الحضور هو المواطنة المنتجة؛ أن يصبح التدين باعثاً على الإتقان والخدمة والتكافل وحسن الجوار واحترام الحقوق، وأن يُعرف المجتمع المسلم لا بما يقوله عن نفسه فقط، بل بما يقدمه فعلياً لوطنه ومجتمعه».
وأوضح البشاري أن صدق المقاصد لا ينفصل عن سلامة النتائج، وأن الخطاب الديني والعمل المؤسسي ينبغي أن يقاسا بقدرتهما على بناء الثقة، وحماية السلم الاجتماعي، وتوسيع مساحات التعاون، ومنع العزلة والاستقطاب.
وقال: «لا تكفي النوايا الحسنة إذا قادت الممارسة إلى الانغلاق أو تعميق المسافات داخل المجتمع. قيمة الخطاب والمؤسسة تُعرف بأثرهما: هل يبنيان الثقة؟ هل يصونان التعايش؟ وهل يحولان القيم الدينية إلى قوة للعدل والاستقرار والخير العام؟».
وحول التجربة البرازيلية، أكد البشاري أنها تجربة جديرة بالدراسة والاعتبار، وليست نموذجاً جاهزاً للاستنساخ، لأن الحلول الناجحة تنطلق من فهم خصوصية كل مجتمع وبنيته القانونية والثقافية والاجتماعية.
وأضاف أن المعيار الحقيقي لنجاح التعايش لا يتمثل في الشعارات، وإنما في صيانة كرامة الإنسان، وضمان حرية التدين، وترسيخ المساواة القانونية، ومنع تحول الاختلاف إلى خصومة، والارتقاء بالتنوع من مجرد قبول متبادل إلى تعاون حقيقي في خدمة المجتمع.
ولفت إلى أن واقع المسلمين في أمريكا اللاتينية يقتضي انتقالاً واعياً «من فقه الجالية إلى فقه المجتمع، ومن فقه الإقامة إلى فقه الانتماء، ومن عقلية الاستثناء إلى أخلاق المشاركة والعمران»، مؤكداً أن أجيالاً مسلمة وُلدت في هذه الأوطان، وأصبحت جزءاً أصيلاً من نسيجها الوطني ومستقبلها.
واختتم البشاري مداخلته بالتأكيد على أن المطلوب ليس تغيير الإسلام ليلائم البيئة، بل بناء اجتهاد يحسن تنزيل قيمه في واقعها؛ اجتهاد ثابت في أصوله، واعٍ بمجتمعه، بصير بنتائج خطابه، وقادر على صناعة حضور إسلامي وطني يعتز بهويته، وينفتح على محيطه، ويسهم بفاعلية في بناء وطنه.
وتندرج الندوة ضمن جهود المجلس العالمي للمجتمعات المسلمة لتطوير خطاب فقهي وفكري يستجيب لواقع المسلمين في أمريكا اللاتينية، ويرسخ مفهوماً للمواطنة يجعل من الهوية الدينية رافداً للانتماء الوطني، ومن التنوع أساساً للتعاون، ومن القيم قوة عملية في صناعة الاستقرار والعمران المشترك.