من الحماية إلى الإسهام.. «العالمي للمجتمعات المسلمة» يؤصّل من ساو باولو لفقه التعايش في أمريكا اللاتينية
- 2026-Oct-07
عقد المجلس العالمي للمجتمعات المسلمة، بالاشتراك مع اتحاد المؤسسات الإسلامية في البرازيل والأكاديمية الدولية للحلال، الثلاثاء 6 أكتوبر 2026، في مدينة ساو باولو البرازيلية، ندوة بعنوان «المسلمون في أمريكا اللاتينية وفقه التعايش: الإنسانية المشتركة والحوار بين الأديان والثقافات».
وافتتح سعادة الدكتور محمد البشاري، الأمين العام للمجلس العالمي للمجتمعات المسلمة، أعمال الندوة بكلمة نقل في مستهلها تحيات معالي الدكتور علي راشد النعيمي، رئيس المجلس العالمي للمجتمعات المسلمة، وتقديره للمشاركين والحضور، وتمنياته بأن تسهم الندوة في ترسيخ ثقافة التعايش وتعزيز قيم الإنسانية المشتركة وتوسيع مساحات الحوار والتعاون بين الأديان والثقافات. كما أعرب، باسم المجلس، عن تقديره لاتحاد المؤسسات الإسلامية في البرازيل والأكاديمية الدولية للحلال، مثمناً جهودهما في تنظيم اللقاء وتعزيز التعاون بين المؤسسات والمجتمعات.
وأكد بشاري أن الندوة ليست مناسبة فكرية عابرة، بل استجابة لسؤال متجدد تفرضه التحولات التي يشهدها العالم، في ظل تداخل الهويات واتساع التنوع وتزايد الحاجة إلى بناء قواعد راسخة للعيش المشترك.
وأوضح أن فقه التعايش ليس فقهاً استثنائياً فرضته أوضاع الأقليات المسلمة، ولا تنازلاً عن خصوصية الهوية، وإنما هو امتداد أصيل لمقاصد الشريعة في تكريم الإنسان، وإقامة العدل، وحفظ السلم، والوفاء بالعهد، وصيانة الحقوق وبناء العمران.
وقال: «فقه التعايش أصل وليس استثناء؛ والتنوع الديني والثقافي ينبغي أن يتحول من مجال للتوجس إلى مجال للتعارف والتعاون وصناعة الخير المشترك».
وشدد بشاري على أن المسلمين في أمريكا اللاتينية ليسوا جماعات تعيش على هامش مجتمعاتها، بل جزء أصيل من نسيج وطني متعدد، لهم ما لغيرهم من الحقوق، وعليهم ما على غيرهم من الواجبات، ويسهمون في الاقتصاد والثقافة والتعليم والعمل المدني.
وأشار إلى أن السؤال لم يعد مقتصراً على كيفية محافظة المسلم على هويته في مجتمع مختلف، بل أصبح أكثر عمقاً واتصالاً بمستقبل المجتمع: ماذا يضيف المسلم إلى الوطن الذي يعيش فيه؟ وكيف يحول انتماءه الديني إلى قوة أخلاقية ومدنية تسهم في تحقيق الخير العام؟
وأضاف: «المطلوب هو الانتقال من فقه الحماية إلى فقه الإسهام، ومن فقه الوجود إلى فقه المشاركة، ومن الدفاع عن الهوية إلى صناعة المسؤولية المشتركة».
وأوضح أن هذه النقلة تقتضي ألا تنشغل المجتمعات المسلمة بحماية وجودها وهويتها فحسب، بل أن تعمل على تحويل قيمها إلى مشاركة فاعلة في التعليم والعمل المدني وخدمة الإنسان، بما يجعل وجودها أكثر اتصالاً بقضايا مجتمعاتها وتطلعاتها.
وأكد بشاري أن الحفاظ على الهوية الإسلامية لا يعني الانغلاق، مثلما لا يعني الاندماج في المجتمع الذوبان أو التخلي عن الثوابت، مشيراً إلى أن النموذج المطلوب يجمع بين وضوح الهوية، وصدق الانتماء الوطني، والانفتاح الإيجابي على المجتمع.
وقال: «الهوية إذا أغلقت أبوابها تحولت إلى عزلة، والمواطنة إذا نزعت من الإنسان خصوصيته تحولت إلى ذوبان؛ والتحدي الحقيقي هو بناء توازن ناضج بين الثبات والانفتاح، وبين الخصوصية والمشاركة، وبين الانتماء الديني والانتماء الوطني».
ولفت إلى أن هذا التوازن يطرح أسئلة جوهرية بشأن كيفية حفظ خصوصية الهوية الدينية من غير أن تتحول إلى جدار يفصل المسلم عن مجتمعه، وبناء مواطنة كاملة لا تقود إلى الذوبان الثقافي، وجعل الحوار بين الأديان والثقافات مشروعاً اجتماعياً مشتركاً يتجاوز اللقاءات الرمزية.
وبيّن بشاري أن الحوار الحقيقي لا يعني إلغاء الاختلاف العقدي أو الثقافي، ولا صناعة تشابه مصطنع بين الناس، وإنما يعني حسن إدارة الاختلاف على أساس الاحترام المتبادل والعدل وحفظ الكرامة الإنسانية.
وأضاف: «الحوار بين الأديان والثقافات لا ينبغي أن يبقى لقاءً رمزياً أو مجاملة بروتوكولية، بل يجب أن ينتقل من الحديث عن الآخر إلى العمل معه، وأن يتحول إلى تعاون عملي في مواجهة الفقر، وخطاب الكراهية، والتفكك الأسري، والتحديات الاجتماعية المشتركة».
وأشار إلى أن اختلاف العقائد والثقافات لا يمنع التعاون في حماية الأسرة، وتعزيز التعليم، وصيانة البيئة، وخدمة الفئات الضعيفة، مؤكداً أن القيم الإنسانية المشتركة تكتسب معناها الحقيقي عندما تتحول إلى مشاريع ومبادرات تلامس حياة الناس.
وأوضح أن فقه التعايش في العصر الحديث لا يكتفي بالأحكام المجردة، بل يستحضر المقاصد والمآلات والسياقات، وينظر في أثر الخطاب والممارسة في السلم الاجتماعي، وقدرتهما على بناء الثقة ومنع تحول الاختلاف إلى قطيعة أو خصومة.
وأكد أن الدور الحقيقي للخطاب الديني والمؤسسات الإسلامية يُقاس بما يحققانه من طمأنينة وثقة ونفع عام داخل المجتمع، وبقدرتهما على الجمع بين حفظ الدين وصون كرامة الإنسان وتعزيز استقرار الأوطان.
ولفت بشاري إلى ما تتميز به أمريكا اللاتينية من تنوع عرقي وثقافي، وتاريخ من الهجرة والتداخل الديني والاجتماعي، إلى جانب ما تمتلكه من رصيد مهم في الروابط الأسرية والتدين والحضور المدني، معتبراً أن هذه الخصائص تجعلها بيئة واعدة لبناء شراكات إنسانية واجتماعية حقيقية.
وقال إن هذه الرؤية تجعل المسجد شريكاً في بناء السلم المجتمعي، والمؤسسة الإسلامية شريكاً في ترسيخ المواطنة، والجامعة شريكاً في إنتاج المعرفة، كما تجعل مؤسسات الحلال جزءاً من فضاء أوسع يرتبط بالأخلاق والثقة الاقتصادية والاستهلاك المسؤول والتبادل الحضاري.
وأشار إلى أن المجتمعات المسلمة في أمريكا اللاتينية ستواجه خلال المرحلة المقبلة تحديات متسارعة، تشمل التحولات الديمغرافية والهجرة والذكاء الاصطناعي والتفاوت الاقتصادي والاستقطابات الثقافية والدينية، ما يستدعي بناء مؤسسات قادرة على فهم الواقع والاستجابة لتحولاته.
وأكد أن مستقبل المسلمين في القارة لن يُقاس بعدد المساجد والمؤسسات فقط، بل بحجم أثرهم الأخلاقي والمدني، وبقدرتهم على تقديم نموذج متقدم في العيش المشترك يجمع بين الثبات في القيم والإسهام في السلم والمواطنة والمستقبل المشترك.
ودعا بشاري إلى تجاوز خطاب «نحن والآخر» نحو وعي أوسع يقوم على الشراكة في المجتمع والوطن والمستقبل، مؤكداً أن اختلاف المرجعيات لا يلغي المسؤولية المشتركة عن الإنسان، ولا يمنع التعاون في مواجهة التحديات وبناء المجتمعات.
واختتم بالتأكيد على أن «الإنسانية المشتركة أصل، والمواطنة إطار، والحوار منهج، والتعارف مقصد، وخدمة المجتمع ثمرة»، وأن دور المسلمين يتعزز بقدرتهم على تحويل هذه المبادئ إلى معرفة ومؤسسات وشراكات ومبادرات ملموسة تخدم الإنسان وتصون السلم وتدعم استقرار المجتمع.
وفي ختام كلمته، أعرب بشاري عن أمله في أن تمثل الندوة بداية لمسار مستمر من البحث والتدريب والتعاون بين المؤسسات الإسلامية والجامعات والقيادات الدينية ومؤسسات المجتمع المدني في أمريكا اللاتينية، بما يرسخ حضوراً إسلامياً واعياً، واثقاً، منفتحاً ومسؤولاً.