مظاهر الفكر التكفيري
- 2020-Mar-17
بسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله.
من أخطر صور الانحراف عن الشريعة الإسلامية هذه بدعة التكفير التي ظهرت في العصر الحديث، والتي تنادي وتعلن القول بجاهلية المجتمعات المسلمة ومفارقتها للإسلام، وانقطاع الدين عنها وغياب التوحيد عن حياة المسلمين.
هذه الفكرة ظهرت نتيجة لعوامل متعددة من: التصورات الباطلة والفهم المغلوط لقضايا شرعية حول تحكيم الشريعة والحكم بما أنزل الله، وفساد منهج الفهم والاستدلال والاستنباط، واستلهام لمبادئ الخوارج، والخطأ في فهم معاني الإسلام والإيمان وكيفية ثبوتهما للفرد والمجتمع، والزيادة في أصول الدين بوضع معاني جديدة لشهادة "لا إله إلا الله"٬ والربط بين صحة الاعتقاد وصحة وكمال التطبيقات العملية الفرعية على المستوى الشخصي والجماعي، والوقوع في التوصيف الخاطئ لواقع بلاد المسلمين، وإسقاط النصوص التي نزلت في أهل الشرك على أهل الإيمان والتوحيد، والخروج بالمعاصي إلى وصف الكفر، بالإضافة إلى إعمال الأهواء ووجود الأغراض المحددة سابقاً عند مؤصلي الفكر المتشدد التكفيري وناشريه.
وقد تبلورت هذه الفكرة التكفيرية الخطيرة في صور أدبية وعملية ظهرت فيها تطبيقات الفكر التكفيري وتفعيلاته؛ حيث إن القول بجاهلية المجتمعات المسلمة وانقطاع الدين عنها وانفصالها عن الشريعة هي المنطلق الأساسي لجميع مظاهر التشدد والتكفير العلمي والعملي التي انتشرت بعد ذلك من: تكفير ولاة الأمور ومؤسسات الحكومات في الدول الإسلامية، والقول بجواز بل وجوب الخروج عليها ومحاربتها، والإعلان بتكفير عامة المسلمين لرضاهم بحياة الجاهلية وغياب الشريعة، ظهور الجماعات التكفيرية والمليشيات المسلحة التي تعتنق هذا الفكر وتؤمن بضرورة المفاصلة والمواجهة والصدام مع مجتمعات المسلمين لتحقيق التمكين للدين في الأرض.
التأصيل الخبيث لهذه الفكرة
وهنا لابد لنا أن نتساءل كيف ظهر هذا الفكر الخبيث، الذي يخالف ما ورد في كتاب الله وسنة رسول الله من النص على خيرية هذه الأمة وفضلها، ومكانتها في الدنيا والآخرة وعصمتها من أن تجتمع على ضلالة؟!!! كيف ظهر القول بجاهليتها وانقطاع الدين عنها وعدم تحقيقها للتوحيد وانتشار الشرك بين أفرادها وكيف تأثر به أفراد من أمة الإسلام؟
والجواب على تلك التساؤلات يقودنا إلى الخلفية التاريخية لهذه الفكرة؛ حيث إننا نجد أنها تنطلق من مبادئ جماعة الخوارج الأولى ([1] ) التي كفرت المسلمين، وفيهم أكابر الصحابة رضي الله عنهم ورمتهم بالحكم بغير ما أنزل الله وعلى ذلك فقد وقعوا في الكفر، فأعلنت جماعة الخوارج أنها هي جماعة المؤمنين التي تحقق حاكمية الله في الأرض، وقامت بخطوات عملية من الانفصال المادي والمعنوي عن الأمة، والإعداد للمواجهة والمفاصلة مع المجتمعات. واستمر وجود هذا الفكر في صورة جماعات من الخوارج كفرت الأمة حكامًا ومحكومين لقرون قليلة٬ حتى اضمحل وانتهى أمرها ولم يعد لها ذكر إلا ما وجد من أصول ضلالهم في الكتب وما كان أفراد أو جماعات تعتنق هذا الفكر.
ثم انبعث هذا الضلال مرة أخرى في القرن العشرين الميلادي على يد سيد قطب؛ الذي شكلت كتابته منظومة تكفيرية متكاملة الأركان، خرج فيها عما أجمعت عليه الأمة من أحكام خاصة فيما يتعلق بقضايا الإيمان والتوحيد وثبوت الإسلام للفرد والمجتمع، وقال بانقطاع الدين عن الأرض.
ولما كان هذا الرجل ليس من أهل العلم الشرعي المتمرسين الراسخين في فهم هذه الشريعة كتاباً وسنة، فمن ثم لا عجب من أن ينتج من فكره منهج مخالف لما استقرت عليه الأمة من الفهم والتطبيق والاستدلال وإصدار الأحكام، وجعل أركان هذا المنهج ما أسماه بالحاكمية، والقول بجاهلية المجتمعات المسلمة وانقطاع الدين عنها، الانعزال والمفاصلة عن هذه المجتمعات، والقول بكون بلاد المسلمين دار الكفر لا دار الإسلام، والإعلان باحتكار الوعد الإلهي بالنصر لمن يؤمن بهذا الفكر، والاستعلاء على الطوائف الجاهلية من وجهة نظره ووفقاً لتقويمه، والمواجهة مع هذه المجتمعات وحتمية الصدام.
ولكل ركن من هذه الأركان عنده فقه الخاص به وأحكامه، ولكل ركن مرحلة وزمن وإعداد ودعوة وتطبيق وتفعيل وانتقال من مرحلة إلى أخرى. ظهر ذلك كله في كتابته ظهوراً جلياً واضحاً؛ بحيث صار هذا الرجل في جانب وما أجمعت عليه الأمة عبر تاريخها في جانب آخر. وقد تأثر بهذا المنهج وأركانه قطاع لا يستهان به من أمة الإسلام خاصة الشباب، وظنوا أنه هو صحيح الدين والمعبر الحقيقي عن حقيقة الإيمان.
وقد خص سيد قطب فكرة جاهلية المجتمعات المسلمة باهتمام زائد؛ حيث نجد الإلحاح على هذه الفكرة وعرضها وصياغتها يتكرر في مصنفات كثيرة، في محاولة لغرسها وتأصيلها في نفس القارئ تهيئة لما يأتي بعدها من أفكار المنهج التكفيري فمن أقواله في ذلك:
"البشريَّةَ عادَت إلى الجاهليَّة، وارتدَّت عن لا إله إلَّا الله، فأعطَت لهؤلاءِ العبادِ خصائصَ الألوهيَّة، ولم تَعُد توحِّدُ اللهَ، وتُخلِصُ له الولاءَ"([2]).
"نحن اليوم في جاهليَّةٍ كالجاهليَّةِ التي عاصرها الإسلامُ أو أظلم، كلُّ ما حولنا جاهليَّة؛ تصوُّراتُ النَّاس وعقائدهم، عاداتُهم وتقاليدُهم، مواردُ ثقافتِهم، فنونُهم وآدابُهم، شرائعُهم وقوانينُهم، حتى الكثيرُ مما نحسبُه ثقافةً إسلاميةً ومراجعَ إسلاميةً، وفلسفةً إسلاميةً، وتفكيرًا إسلاميًّا- هو كذلك من صُنع هذه الجاهليَّةِ!! لذلك لا تَستقيمُ قِيم الإسلام في نُفوسِنَا، ولا يتَّضح تصوُّرُ الإسلامِ في عقولِنا"([3]).
"إنَّه ليس على وجهِ الأرض اليوم دولةٌ مسلمةٌ ولا مجتمعٌ مسلمٌ قاعدةُ التَّعامل فيه هي شريعةُ الله والفقهُ الإسلاميُّ"([4]).
"إنه لا نجاةَ للعُصبة المسلمةِ في كلِّ أرضٍ من أن يقعَ عليها هذا العذابُ: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ [الأنعام: 65]، إلَّا بأن تنفصلَ هذه العُصبة عَقيديًّا وشُعوريًّا ومنهجَ حياةٍ عن أهل الجاهليَّةِ من قومِها- حتى يأذنَ الله لها بقيام دارِ إسلامٍ تعتصمُ بها- وإلا أنْ تشعرَ شعورًا كاملًا بأنَّها هي الأمة المسلمة وأنَّ ما حولها ومَن حولها ممَّن لم يدخلوا فيما دخلت فيه جاهليَّةٌ وأهلُ جاهليَّةٍ.... إنَّ موقفَ التَّميُّزِ والمفاصلةِ قد يُكلِّف العُصبةَ المسلمةَ تضحيَّاتٍ ومشقَّاتٍ، غيرَ أنَّ هذه التَّضحياتِ والمشقَّاتِ لن تكونَ أشدَّ ولا أكبرَ من الآلامِ والعذابِ الذي يُصيبُها نتيجةَ التباسِ موقفِها وعدم تَميُّزِه، ونتيجة اندماغِها وتميُّعِها في قومِها والمجتمع الجاهليِّ مِن حولها"([5] ).
"ثم لابدَّ لنا من التَّخلُّص من ضغطِ المجتمع الجاهليِّ والتَّصوُّرات الجاهليَّة والتقاليدِ الجاهلية والقيادةِ الجاهليَّة في خاصَّة نفوسنا، ليست مهمتُنا أنْ نصطلحَ مع واقع هذا المجتمعِ الجاهليِّ ولا أن نَدين بالولاءِ له، فهو بهذه الصِّفة- صفة الجاهليَّة- غيرُ قابلٍ لأنْ نصطلح معه، إنَّ مهمَّتَنا أنْ نغيرَ من أنفسِنا أوَّلًا لنغيرَ هذا المجتمع أخيرًا"([6]).
والناظر في هذه الأقوال يجد أنها ليست من دين الإسلام بأي حال من الأحوال؛ فهذا الرجل يصرح بارتداد المسلمين عن لا إله إلا الله، وبأنهم يحيون حياة أشد من الجاهلية الأولى، ويحكم بعدم وجود مجتمع مسلم ولا دولة مسلمة، ويرى أن الطريق للعودة للدين هو المفاصلة والانعزال عن هذه المجتمعات الجاهلية حتى يأذن الله بدار إسلام.
هذه لمحة من أفكار سيد قطب التكفيرية، والتي قامت عليها بعد ذلك جماعات التشدد والتكفير التي اتخذت من أقواله مرجعًا شرعيًا لها، يعطونها من القداسة والتعظيم ما يعطونه للنصوص الشرعية، فظهرت الآثار العملية للفكرة الخبيثة تمثلت في: فكر التكفير الفردي والجماعي واستحلال الدماء، والقول بتكفير حكومات الدول الإسلامية، والعمل على فرقة الأمة وشق صفها وإيقاع الخلل في مجتمعاتها عن طريق هدم الأنظمة الضابطة لحياة المسلمين. فحرفوا الشريعة وبدلوا الدين وجلبوا علينا قوى الغرب والشرق في وقت تحتاج فيه الأمة إلى إعادة بناء نفسها على كافة المستويات.
البيان الشرعي والواقع لبطلان القول بجاهلية المجتمعات المسلمة:
يتبين لنا بطلان هذه الفكرة من عدة جوانب فمن ذلك:
1- حقيقة معنى ومصطلح الجاهلية:
"الجاهلية" وصف خاص بفترة زمنية محدد قبل بعثة النبي ﷺ. ولم يستخدمه أحد من أئمة المسلمين لوصف حال أو مكان أو زمان في البلاد والمجتمعات الإسلامية بعد بعثته ﷺ.
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: والجاهليةُ: ما كان قبلَ الإسلامِ([7]).
وقال المُناوي رحمه الله: والجاهليةُ: ما قبل البعثةِ، سُمُّوا به لفرْطِ جهلهِم([8]).
2- بطلان التصور لقضية الحاكمية كمنطلق للقول بجاهلية المجتمعات المسلمة:
فقد وقع أفراد التيارات المتشدد التكفيرية في أخطاء علمية وعملية نتيجة لانفصالهم عن علماء الأمة وأئمتها؛ من حيث إدراك معاني الشريعة وأحكامها وطرق تطبيقها، فحصروها في صورة ضيقة وهيئة محددة من لم يقم بتنفيذها كما يرون، أو وقع في مخالفة فقد حكم بغير ما أنزل الله وحق على المجتمع الذي يحدث فيه ذلك وصف الجاهلية.
والناظر لحال المجتمعات الإسلامية أفرادًا وجماعات يجد الدين ومظاهره والشريعة وأحكامها تسري في أوصال المجتمعات، ولم تخلُ من وجود نور القرآن والسنة والشريعة في يوم من الأيام؛ فتظهر شعائر الدين في المجتمعات من رفع شعار التوحيد عن طريق الآذان وإقامة الصلاة والصيام والحج، وغير ذلك من مظاهر شريعة الإسلام على المستوى الفردي والجماعي في الحياة اليومية، ومجاهرة الناس بأنهم مسلمون موحدون مقرون بالله سبحانه وتعالى ربا وبالإسلام دينًا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيًا ورسولا وبشريعة الله منهجاً للحياة.هذه المجتمعات التي تتميز بكونها أكثر المجتمعات البشرية التي تستخدم فيها مفردات الحلال والحرام والجائز وغير الجائز وما يرضي الله وما لا يرضيه، كيف يقال إنها مجتمعات جاهلية قد هجرت الدين والشريعة وأحكامها؟!!.
3- حرمة شهادة التوحيد:
جاءت النصوص النبوية الصحيحة التي توضح حرمة شهادة "لا إله إلا الله" وكونها علامة على الانتماء لأمة الإسلام وتحقيق التوحيد، وتكفل العصمة لقائلها في النفس والمال والعرض، فكيف تجتمع هذه الأحاديث ومعانيها ودلالاتها وما يستنبط منها من أحكام وما تزعمه التيارات التكفيرية من القول بجاهلية المجتمعات المسلمة وغياب الدين عنها؟. فما المجتمع إلا مجموعة من الأفراد يشهدون بالتوحيد ويعلنون بـ"لا إله إلا الله". فعقد الإسلام وثبوته للأفراد والمجتمعات لا ينقض بمجرد الأهواء والظنون، والإسلام يقين لا يزول بشك. قال الإمام الطحاوي: "ونسمي أهلَ قِبْلَتِنا مسلمينَ مؤمنينَ ما داموا بما جاء به النبي ﷺ معترفين، وله بكلِّ ما قاله وأخبرَ مصدِّقين"([9]). وقد جاء الوعيد الشديد لمن يرمي الفرد المسلم بالكفر. فكيف بمن يرمي المجتمعات والأمة بوقوعها في الجاهلية والشرك ومفارقة الدين؟!!!
4- فضل أمة الإسلام:
من نواقض الفكر التكفيري ودلائل بطلان القول بجاهلية المجتمعات الإسلامية؛ ما جاء في القرآن والسنة من بيان لفضل أمة الإسلام في الدنيا والآخرة٬ فكيف يجتمع هذا الفضل والقول بجاهلية مجتمعات المسلمين.
إن الله سبحانه قد اختصَّ هذه الأُمَّة بأنَّها خيرُ أُمَّة، قال الله سبحانه وتعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [آل عمران: 110]، وقال رسولُ الله ﷺ عن أُمَّته: «نُكْمِلُ يومَ القيامةِ سبعينَ أُمَّةٍ نحنُ آخرُها وخيرُها»([10]).
فمن خصائص أمة الإسلام:
- اختصاصُها أنَّها أوَّلُ الأممِ دخولًا الجنة([11]).
- اختصاصُها بالوَسطيَّةِ والشَّهادةِ على الناس([12]).
- اختصاصُها أنها أكثرُ الأممِ دخولًا الجنة([13]).
5- مفارقة أصحاب هذا الفكر المتشدد لمجموع الأمة:
من وجوه بطلان القول بجاهلية المجتمعات المسلمة أنها لا تصدر إلا من الفئات التي تنفصل وتنعزل عن مجموع الأمة؛ فقد أوضحت الأحاديث النبوية أن الله سبحانه قد عصم الأمة من أن تجتمع على الضلالة. وأمرنا رسول الله ﷺ بأن نكون مع سواد المسلمين وحذرنا من الفرقة، كل هذا يدل على أن سواد الأمة ومجموعها وما اجتمعت عليه من العقائد والأخلاق والتشريع هو الحق، فلا يتصور أن تكون أمة الإسلام كلها في غفلة عن الحق الذي عرفته هذه التيارات التكفيرية. قال النبي ﷺ : "إنَّ أُمَّتِي لن تجتمعَ على ضلالةٍ، فإذا رأيتم الاختلافَ فعليكم بالسَّوادِ الأعظمِ"([14]).
6- كثرة المعاصي لا توجب صفة الجاهلية:
قد تزعم التيارات المنحرفة أن وصفها للمجتمعات المسلمة بالجاهلية يأتي من كثرة المعاصي وانتشارها، والتي هي دليل على غياب الدين عن هذا المجتمع، وهذا القول باطل من الناحية الشرعية ومن ناحية الواقع: فلم يقل أحد من علماء المسلمين أن المعاصي وإن كثرت حتى ولو بلغت مبلغ كبائر الذنوب أنها تخرج بالفرد أو الجماعة عن الدين وتنفي عنه صفة الإسلام، ويظهر بطلان هذا القول من ناحية الواقع المحيط حيث أنه لا يلتفت إلى طاعات ا